خليل الصفدي
346
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
شغل إلى أكبر منه . وكان إذا حضر مجلس خاله كريم الدين الكبير يكون واقفا على قدميه يرفع قدما ويضع آخر ، وكلّ من لا يمكنه الجلوس في دسته يكون في مجلس خاله قاعدا وهو قائم ، فإذا كان في دسته ومجلسه وقف الناس وهابوه وعظّموه . وحكى لي غير واحد أنّ أمراء العشرات ومن فوقهم من أمراء الطبلخانات يزدحمون في المشي قدّامه ويقعون زحاما . ويقال : إنّ الملك الناصر لمّا كان بالكرك قال : أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغّير « 7 » يضرب الجند بالدبابيس وأشفع فيهم ما يقبل شفاعتي ؟ وكان يضرب الناس وقوفا على ألواح أكتافهم فإذا مال إلى قدام ضربهم على صدرهم وسمّى هذا المقترح ، ولكنّ عفّته عن مال السلطان مفرطة إلى الغاية وتشدّده على من يخون خارج عن الحدّ . حكي لي أنّه جاء إليه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب وهو ما هو في الوجاهة والعظمة عند السلطان ، فقام لتلقّيه وجلس بين يديه وقال : ارسم ، يا خوند ! فقال : هذا الكاتب تشفعني فيه وتستخدمه في الجهة الفلانيّة ؟ فقال : السمع والطاعة ، كم في هذه الوظيفة معلوم ؟ فقال الكاتب : مائة وخمسون درهما وثلاثة أرادب قمحا . فقال للصيرفيّ : اصرف إلى هذا في كلّ شهر هذا المبلغ ويجيء إلى الشونة في كلّ شهر يأخذ هذه الأرادب . فقال الكاتب : ما أريد إلّا هذه الوظيفة . فقال كريم الدين للأمير : حتى تعرف ، يا خوند ، أنّه لصّ وما يريد المعلوم ، ما يريد إلّا أن يسرق ! فاستحيى الأمير ومضى . ولمّا أمسك كريم الدين الكبير أمسك ، وكاد العوامّ والناس يقتلونه وأثبت القضاة فيه محاضر منها ما هو بالكفر ومنها ما هو بقتل النفوس ، فرأى السلطان أنّه مقتول لا محالة فقال : إذا قتلتم هذا من أين آخذ أنا مالي ؟ اصبروا إلى أن نأخذ المال منه ! ثمّ سلّمه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمديّ وبقي عنده مديدة ، ثمّ أخرج إلى صفد ناظرا فجاء إليها وضبطها وحصّل
--> ( 7 ) الصغيّر : الصغيّر ، الأصل .